اللاعُمق.. هو اللامعنى. هو ان تطفو على سطح بركة ماء منقلبا على ظهرك تراقب السماء. اذناك مغمورتان فلا تسمع الا هدير التموجات التي يُصدرها تجديفك ٫ وصوتٌ بعيد..قادم من بعيد كخيط ذهبي يربطك بهذا العالم الحقيقي. هنا نقطة اللاتفكير ٫ التسطح السامي.. كل شيء يتحول فقط إسماً.. وجها.. سماء صافية. تنظر حولك يقبض عليك شعاع الشمس ٫ تسدل جفنيك فتجد الحقيقة والواقع ينتظرك في عمق روحك .. تفتح عينيك على اقصاهما هربا من ذاتك ٫ تعود للتسطح واللامعنى..تزعجك الشمس فتنقلب بتكاسل مواجها الماء وتُجدف بيديك علّك تبتعد عن فيزائية هذا العالم الذي تلاحقك اينما ذهبت. الطفو على السطح نقاهة مترفة لابد منها بعد رحلاتٍ طويلة من الابحار في عمق ذاتك.
مدينةٌ زرقاء.. او اظن انها قد تكون جزيرة ٫ تصل مباينها للسماء. نعمرها داخلنا ٫ نرصف أرصفتها ٫ نزرعها نسقيها حقيقة واسرار.. نحتفظ بها في قاع اعماقنا ٫ نُخفيها. حين تظهر الحقيقة يتغير كل شي ٫ حين تنكشف الاسرار يتلوّن كل شي . تتغير الامكنة تدور الدنيا. كإمرأة عارية الحقيقة.. تتجول في ساحة٫ يندهش لها البعض ويوراي عُريها البعض الاخر. يغضُّ عنها القليل .. ويبحلق فيها الكثير. هذه هي الحقيقة ٫ عُرينا الخاص الذي تُبصِرُهُ عَينِنَا الخاصة.
.•.•.•.•.•.•.•.•
كانت الغرفة مُظلمة ٫ اغلقت الباب خلفها بتردد حتى اعتادت عيناها الظلام. تحديد مكان السرير بناءً على التصميم الموحد لغرف الفندق لم يكن صعبا. بينما كانت تتقدم اصطدمت قدمها بمقعد صغير لم تنتبه لوجوده فأحدثت جلبةً ايقظتهُ. هَتَفَ مرتابا بصوت يمتليء النعاس (مين؟!)
اجابت بصوت متحشرج مُحرجة (انا…)
أضاء المصباح القريب منه. كان يبتسم غير مصدق بشعرٍ اشعث. هي ايضا.. تقف مبحلقةً فيه غير مصدقة مذهولة لتلك الشجاعة الذي دفعتها نحو هذه الغرفة في اول الفجر. مشهد الاستيقاظ النقي القادم من عالم المنامات البعيد.. مكان يخلو من اي مخلوق الا من احلام وارواح سامية ٫ كل ذلك يختلف عن ما رسمته في مخيلتها.. كل ذلك كان اجمل مما كانت قد تخيلته بمراحل.
-كيف فَلَتّي منهم؟
-الحب طلعلي اجنحة
-انتظرتك طول امس .. وبعد منتصف الليل وقعتُ صريعاً .
لم ترد ٫ اكتفت بتأمله غارقا بحبها. قالت اخيرا:
-ماكنت اظن ان الانتظار يحولك الى شاعر. هه!
-هناك نوعين من الانتظار في هذا العالم ٫ الاول هو الانتظار المتعارف عليه والذي نطلقهُ على كلِّ الانتظارات المختلفة. النوع الثاني انتظارُكِ انتِ….
لم يكن خالد جميلا كما كان في هذا الصباح وهو يطردُ هذا النعاس اللذيذ من تحت اطراف اصابعه ٫ من جفنية ٫ من شعره الاشعث ويتحول الى شاعر كما لم تعهده من قبل. يخرجُ من حلمٍ ويدخلُ في اخر.
الغريب ان الخوف الذي يُربِكُ معدتها لم يأتي من قوة الجنون الذي اجتاحها في هذه الساعة المتأخرة ٫ ولا حتى الإثارة التي حملتها معها هذه القَفزةُ الجريئة.. خوفها كان مبنياً على فكرة الإبتعاد عن رجل منحها كل شيء٫ الابتعاد عن رجلٍ لم يصبح للمسافة من بعده مرادف.. خوفها من انها قد تراه يوما يصرخ من عمق بئر يتخبطُ فيه بحثا عن حبل دون ان تفعلَ شيئاً لتنفض عنه حزن الفراق. الرجل اللطيفُ حقاً الذي يسألها مراراً مقاطعا كل لحظة حب عمّا اذا كانت متأكدة من ما تفعله ٫ ومتى مااضطربت اخذها من يديها المرتعشتين يمسح عليهما برفق ٫ تقول له بإبتسامة مُحرجة (اضطراب الحب ياعزيزي!). يرد بهدوء (حتى لو..) ويظلُّ محتضنا يديها بكلتا كفيّه بحنان بالغ حتى تستقر. هي تعلم ان ائتمان الايام لعبةٌ خاسرة في اغلب الاحيان لكنها ايضا تؤمن ان القدر الذي يُنهي القصص الطويلة بصفعة قاتلة هو ذاته القدر الذي يمنحها اياه بسخاء مفرط قادرٌ على ان يبسط امامهما حياة تتطابق و أحلامُها ٫ يدثرها فيها بمعطفه كلما هطل من السماء مطر.
-معي كتاب لقاسم حداد ٫ وقرأت البارح حاجة ذكرتني فيك…
مد يده نحو كتاب صغير على الطاولة الملاصقة للسرير ٫ لم يستطع الوصول اليه فقد كانت تتشبث به وتُعيقُه من النهوض قليلا. ضحِكَ (طيب شوي؟) هزت رأسها مُعارضة (ولا لحظة). لم ينتظر منها اجابة ٫ دفعها برفق حتى تناول الكتاب ثم لفها بذراعه مرة اخرى.
-باين شكل الكتاب قديم.. من فين لقيته؟
-من مكتبة بيتنا.. اظن كان للوالد… ماادري والله… بس شكله من ايام لما كانت نوافذ الجيران مفتوحة طول الليل.
قهقهت ضاحكة بصوت عال ثم نهرته على ما يدور في عقله هذه اللحظة.
فتح الكتاب على صفحة تم طي طرفها السفلي مسبقا واخذ يقرأ بصوت عميق:
كأنني عائدٌ إليك بعد قليلكأنني لن أعود أبداًغادرتك في ذلك الصباح الذاهلكأنني حملتك معي .. هناوكأن ( هنا ) هو كل العالمكأنكِ رعشتِ بين أصابعي كذبح العصفوروكأننا لم نُخلق إلا في تلك اللحظة.
-ممكن تعيد بدايتها..؟
(كأنني عائد إليك بعد قليل٫كأنني لن أعود أبداً.. غادرتك في ذ…) قاطعته فجأة (لحظة!)
-ليش تقول كذا؟ "كأنني لن أعود ابداً" .. ليش تذكرتني لما قرأتها امس؟
اضطرب للحظة لحجم الرعب الذي انهمر من عينيها فجأة وبلله وبلل الملاءات حوله وملأ الغرفة ذُعرا.
مسح على وجنتها برفق (حبيبتي ماكنت اقصد شي… بس نوع العاطفة هذا يذكرني فيك.)
انتهى ذلك اللقاء بوداع غريب. استحثها على البقاء الا انها كان عليها ان توضب حقيبتها قبل حلول الظهيرة حتى لا يُثار سخط والدتها . خرجت مسرعة تتحاشى النظر في عينيه. حُبُ رجل بهذا القدر يجعل احتمال تعرضها للأذى كبيرا ٫ لم تدرك ذلك حتى نظرت لِعِظَم الحيز اللي يشغله هو في روحها ٫ اصغرُ شرخٍ قد يسحقُها. قبلَ ثلاث سنين كان لقاؤلهما العابث ذاك مجرد كسر لروتين مدينةٍ بلا ملامح. إلتقيا في أحد المقاهي ٫ ضَحِكَا ٫ تشاركا اغنية مفضلة ٫ رفضتْ هي ان يدفع الحساب فإقتسما المبلغ وافترقا. وكما هي كل قصص الصداقة في تلك المدينة ٫ تنتهي بالحب عن غير قصد.. بِقَصْد.
وكما هي كل قصص الحب في تلك المدينة ٫ تسير دائما في طريقٍ مُعْوَجَّة. بعد عدة اسابيع صامتة من عَوْدَتِها تلقتْ مكالمة من المفترض ان تكون طوق النجاة الذي يأخذها لضفة السكون ٫ لكنها كانت اقرب منها للصدمة الكهربائية نسفت كل حُلمٍ جميلٍ عاشتهُ او كانت تطمح ان تعيشه.
-الو.. نوف؟
-من معي؟
-انا عبدالله.. ولد عم خالد.
ما إن نطق الشاب اسمه حتى صاحت فيه (وين خالد! ليه جواله مقفل من اسبوعين! مات؟؟ مات!)
-لا لا بعيد الشر!
كان صمتُ عبدالله مستفزاً ٫ هي تعلم ان تلعثمه ناتج عن حديث ضخم يحمله في اعماقه لا يعلم السبيل لمدخله. قالت تستحثه بصوت يشبه الفحيح (ايش فيه خالد؟)
تململ قليلا ٫ واخيرا قال (اسمعي.. خالد يحبك وانتي تعرفين.. وكلنا نعرف. خالد ابوه اجبره يتزوج ٫ عارَض كثير وهدد بالهرب..لكن بالاخير كان لازم يرضخ للواقع ورغبة والده. هو ماقدر يقول لك.. او بالأحرى ماعرف كيف يقول لك. هو ضَعيف اتجاهك وماراح يستحمل يشوف وَقْع خَبَر زي هذا عليك…)
لم يكن متأكدا تماما من ما اذا مازالت تسمعه على الطرف الاخر من المكالمة ام انقطع الخط ٫ توقف عن الحديث وأنصتْ..لم يجاوبه غير السكون.
بعد لحظات قالت بصوتٍ ليس لها (هو مريض صح؟ بس مايبغى يقول… عبدالله قول ايه)
إلتزم الصمت. اغلقت المكالمة بهدوء وبلا ضوضاء. لم تنهار ٫ لم تصرخ ٫ لكنها ظلت تبكي بصمت فورَ كل لحظةٍ تخلو فيها بنفسها لفترة طويلة.
حين تبكي النساء في مدينتي ٫ لا يبكين لمجرد فراقِ رجلٍ او ضرب من ضروب الاستعطاف .. النساء في مدينتي يبكينَ كل شيء دفعةً واحدة. يبكين ضعفهن ٫ يبكين قلة حيلتهن ٫ يبكين حُلماً ضاع بضياع رجل ٫ يبكينَ القلب الذي هام وأصابهُ البلاء ٫ يبكينَ وحشَة غيابِ حبيبٍ أستأنسَ الرحيل ٫ يبكينَ قناع البهلوان الذي يرتدينه مُرغماتٍ بُعدا عن عارِ الحزن.. يبكينَ وصمة العار التي تلازمهن حتى يُثبت عكسُ ذلك ٫ يبكينَ القوة الهشّة المزيفة التي يتمسكن بها. يبكينَ الضعف… الضعف.
من قال ان النساء تبكي بلا سبب؟ هه! معتوه ٫ والاسبابُ في مدينتي كثيرة.
.•.•.•.•.•.•.•.•
-وعاشَت..
-كيفها الحين؟
-صار ع الحكاية سنتين بس لما حكت لي صارت تبكي وجدا كانت مكسورة وجريحة.
-انا ما أفهمه ولا أفهمها ولا افهم هذا المجتمع اصلا. ماصار لـ مفهوم "رجل الاحلام" اي معنى. كان يا مكان ٫ كان في واحد صايع يحب ينبسط لكنه في يوم من الايام وقع صريعاً في حب فتاة بعدين يبكي لانه مايقدر يرتبط فيها عشان المجتمع هه!
-عندك انا.. لو اني ادري ان هذا اللي خطبني هو اللي كان بيخطبني كان دورته وحبيته من قبل!
-وكان ماضاعت هالسنين ع الفاضي وانتهى الانتظار بنهاية سعيدة
-هيفاء دايم يحاولون يقنعونك ان القرارات اللي تتخذينها لوحدك مستحيل تنتهي بنهاية سعيدة ٫ فتمشين بالطريق اللي اختاروه مسبقا مُرغمة.. لا مجال للاعتراض
-هو متى يكون كويس.. لما القرار اللي ارغموك على اختياره يكون غلط بالتالي هم يتحملون مسؤليته. لكن لو كان قرارك و انتي اخترتيه وبالاخير طلع غلط… ملاك وقتها بتكون الصدمة صدمتين ٫ صدمتك بحب حياتك.. وصدمتك بإختيارك.
-الله كريم
-ابتهجي يافتاة! يلا روحي واستمتعي.. كل شي بوقته
-ترا بطفشك لازم اكلمك كل شوي عشان الـupdates اول بأول
-اي وقت تشوفيني اونلاين دئي لي. يا صديقتي من العالم الافتراضي. تصدقين.. ماكنت اتوقع ان ممكن يجي يوم ويصير عندي صديقة انترنت وتكون قريبة مني كذا
-يا حُلوّكِ يا هيفاء